محمد ابو زهره

687

خاتم النبيين ( ص )

ونحن لا ننكر خوارق العادات ، ولا يمكن أن ننكرها قط على نبينا محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ولكن يجب أن نؤكد هنا ، ما أكدناه من قبل ، وهو أن هذه الخوارق التي أجراها اللّه تعالى على يد رسوله محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ليست هي معجزته التي تحدى فيها الناس أن يأتوا بمثلها ، إنما المعجزة الكبرى هي القرآن الذي تحدى العالمين أن يأتوا بمثله ، ولا يمكن أن يأتوا بمثله ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا . الجوع والطعام : 461 - قلنا إن حفر الخندق اقترن بمشقة شديدة في الحفر ذاته ، وبمشقة أشد في الجوع للبعد عن قلب المدينة ، ولانقطاع المؤمنين عن العمل للرزق ، بالانصراف للحفر ، غير مدخرين أي جهد لغيره ، وحتى ما يقوم به الأود ، وإن الجهاد في سبيل اللّه غذاء النفوس يقبلون عليه ولو تعبت في سبيله الأبدان ، وأرهقت الأجساد ؛ لأنهم يريدون ما عند اللّه ، وعنده الفوز العظيم . وإن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم هو الأسوة الحسنة في الصبر وضبط النفس ، والجلادة وتحمل الجوع ، حتى إنه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ليشد الحجر على بطنه حيث لا يجد ما يذوقه . لقد عرض البخاري حديث جابر عن الكدية ، وجاء فيه « إنا يوم الخندق نحفر حفرة ، فعرضت كدية شديدة ، فجاؤوا النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم فقالوا : هذه كدية عرضت في الخندق . فقال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : أنا نازل ، ثم قام وبطنه معصوب بحجر ، ولبثنا ثلاثة أيام ، لا نذوق ذواقا » . تلك صورة للجوع الذي كانوا فيه ، وهم يجالدون ، ويبذلون ما لا يبذله إلا أقوياء الرجال في دينهم ونفوسهم ، وهنا نجد الخوارق تكون في بركة الطعام القليل الذي يتغذى منه العدد الكثير . ويذكر ابن إسحاق في ذلك روايتين في بركة الطعام . أولاهما : البركة في تمر ابنة بشير : ذكر ابن إسحاق بسنده « أن ابنة لبشير بن سعد أخت النعمان بن بشير حدثت فقالت : دعتني أمي عمرة بنت رواحة أخت عبد اللّه بن رواحة الشاعر الأنصاري فأعطتنى حفنة من تمر في ثوبي ، ثم قالت : أي بنية اذهبي إلى أبيك وخالك عبد اللّه بن رواحة بغذائهما فأخذتها ، فانطلقت بها ، فمررت برسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم وأنا ألتمس أبى وخالي ، فقال عليه الصلاة والسلام : « تعالى يا بنية ما هذا الذي معك » فقلت : يا رسول اللّه هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبى بشير بن سعد وخالى عبد اللّه بن رواحة يتغذيانه .